محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
211
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
لا يَضِيعَ شيء منها لا معلوم ولا مظنون . وكيف يَحْرُمُ قبول من ثبت في الظن الراجح أنَّه بلغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قاله من الحق خوفاً مِن عقاب الله تعالى على كتم العلم على تحريم قبول مَنْ صَرَّحَ بأنه يُرِيدُ تبديل كلامِ الله وتحويلَ شريعةِ رسول الله وما العلةُ الجامعة بينهما ؟ فأما قولُ السيد : إِنَّ الله قد سمَّى هَمَّه - صلى الله عليه وسلم - بمساعدتهم ( 1 ) ركوناً إليهم ، فنقول له : إنما سمى ذلك ركوناً إن صحَّت هذه القِصة ، لأنَّه لم يَمِلْ إليهم لظن صدقهم فيما قالوه ، ولا لِخوف مضرَّةٍ مظنونة تلحقه بمخالفتهم ( 2 ) ، وإنما هَمَّ بذلك بمجردِ الطبيعة البشرية ، وما كان فيه عليه الكلامُ مِن محبة اللُّطْفِ ، وتيسيرِ الأمور ، وكثرةِ الرفق بالخلق ، والتأليف لهم إلى إلإِسلام ، فقد أثَّرَ قولُهم فيه حتى مَيَّلُوا طبعَه الكريم بمجرد السؤال ، فميله ( 3 ) إليهم بطبعه الشريف مِن غير عزم سببٌ من أسبابِ مقاربة الركونِ إليهم ، فلهذا قال تعالى : { لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } [ الإسراء : 74 ] فهذا همٌّ طبيعي محض ليس مما نحنُ فيه في مَرَاحٍ ولا مغْدَى ، وإنما الذي يُشبه مسألتنا ما قدمناه من أمانه عليه السلام لهم في الإصلاح التي كانت بينَه وبينَهم ، فلم يكن عليه السلامُ يُنْكِرُ على المسلمين دخولَهم بلادَ الكفار ثقةً بوفائهم في أمانهم وصدقهم في قولهم ، وعدم غدرهم في عهدهم ، وكذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنَّه اعتمر عمْرَةَ القضاء ( 4 ) في الأمان الذي جرى بينه وبينَهم ، ولم يكن
--> ( 1 ) في ( ب ) : لمساعدتهم . ( 2 ) في ( ب ) : لمخالفتهم . ( 3 ) في ( ب ) : فميله عليه السلام . ( 4 ) انظر صحيح البخاري رقم ( 4251 ) كتاب المغازي : باب عمرة القضاء . قال ابن الأثير : أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي ، لكونها كانت مسببة عن غزوة الحديبية . وقال الحافظ في " الفتح " 7 / 500 : واختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء ، فقيل =